صالح حميد / عبد الرحمن ملوح
3402
موسوعة النضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم ( ص )
عنها واستعداده لتحمّل نتائجها وقبوله بمبدإ الثّواب والعقاب المنوطين بها ، أمّا السّموات والأرض والجبال المشار إليها في الآية الكريمة فلا تعدو وظيفتها أداء الدّور الّذي خلقها اللّه لتؤدّيه بطريقة عفويّة ، وعلى نسق واحد « وليس هناك أيّ تدخّل ممكن لمبادرتها الخاصّة ، لا من أجل صيانة النّظام الثّابت ، ولا من أجل تغييره ، أو تعديله في أيّ صورة ما كان ، وإذن فلا مسئوليّة مطلقا « 1 » تقع عليها . يقول الدّكتور دراز : أمّا في النّظام الأخلاقيّ ، فالأمر بالعكس حيث يواجه الفاعل ( وهو هنا الإنسان ) إمكانات متعدّدة ، يستطيع أن يختار من بينها واحدة ، توافق هواه ، سواء احترم القاعدة ( الأخلاقيّة ) أو اخترمها ، وعلى ذلك فإنّ الإمكان والضّرورة هما الصّفتان اللّتان تكوّنان مجال المسئوليّة أو عدم المسئوليّة « 2 » ، وجانب الإمكان هو الّذي رصد له الإنسان استعداده . لقد أبرز القرآن الكريم هذا التّباين الّذي يضع الإنسان العاقل « 3 » في مقابل الكائنات غير المزوّدة بالعقل من حيث مقدرتها الأخلاقيّة ، وذلك قول اللّه تعالى إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ الآية ، والحمل هنا يعني في رأي أكثر المفسّرين - تحمّل التّكاليف ، كما في قوله عزّ وجلّ عَلَيْهِ ما حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ ما حُمِّلْتُمْ . . ( النور / 54 ) أو قوله سبحانه مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ( الجمعة / 5 ) « 4 » ، وعلى هذا التّفسير يكون المراد بالإنسان جنس الإنسان عامّة كما قال النّيسابوريّ وغيره « 5 » . أمّا المعنى الآخر للحمل وهو تحمّل الخطأ أو الوزر - وهو أيضا معنى وارد ، وقال به بعض المفسّرين ، فإنّه يحصر الإنسان في الكافر أو المنافق ( أو قابيل ) ، خاصّة « 6 » . وقد لخّص الشّيخ دراز وجهة من قال بذلك من المفسّرين فقال : المعنى : مع أنّ المخلوقات الأخرى قد وفت بمهمّتها حين خضعت للقانون الكونيّ ( الّذي خلقها اللّه عليه ) دون اعتراض أو مقاومة قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ ( فصلت / 11 ) ، فإنّ الإنسان الّذي لم يطع القانون الأخلاقيّ أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى . . . الآية ( الأعراف / 172 ) يبقى محمّلا به وعلى ذلك فالأمر لا يتعلّق بالإنسان بعامّة ، بل بالكفّار والعصاة وحدهم ، وقال - رحمه اللّه تعالى - معقّبا على هذا التّفسير : وهو تفسير - لا ريب معقول ، في ذاته ، ولكنّه فضلا عن ذلك التّقييد الّذي يفرضه على مفهوم الإنسان الّذي جاء غير محدّد في النّصّ ، فإنّه لا يحدّد
--> ( 1 ) دستور الأخلاق في القرآن الكريم للدكتور دراز ص ، 138 ( 2 ) المقصود بذلك أن الإمكان يشكل مجال المسؤولية بالنسبة للإنسان المكلف ، والضرورة تشكل مجال عدم المسؤولية بالنسبة للمخلوقات الأخرى غير المكلفة كالأرض والجبال إلخ . ( 3 ) يلاحظ أن من المفسرين من جعل الأمانة هي العقل حيث به تتحصل معرفة التوحيد وتجري العدالة . انظر المقدمة اللغوية لصفة الأمانة . ( 4 ) دستور الأخلاق في القرآن ص ، 138 ( 5 ) انظر تفسير النيسابوري للآية الكريمة ح 22 ص 35 ( بهامش الطبري ) وتفسير ابن كثير 3 / ، 532 ( 6 ) انظر تفسير القرطبي 14 / ، 255